مبادلة

دور مبادلة ومساهمتها في مسيرة دولة الإمارات خلال الخمسين عاماً القادمة

معالي خلدون خليفة المبارك، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للمجموعة، في مقابلة خاصة مع هانك بولسون رئيس معهد بولسون ضمن برنامج Straight Talk للحديث حول دور مبادلة ومساهمتها في مسيرة دولة الإمارات خلال الخمسين عاماً القادمة.

النسخة المطبوعة

المقدمة: مرحباً بكم في مبادلة ترندز؛ سلسلة برامج بودكاست مبتكرة وثرية بالمعلومات، نستضيف فيها نخبة من الخبراء وقادة الصناعة لمناقشة عددٍ من أبرز القضايا المحلية والعالمية؛ كالاستثمار وريادة الأعمال والطاقة والبيئة والتكنولوجيا، وكيفية خلق قيمة دائمة وتأثيرٍ اقتصادي واجتماعي إيجابي في مختلف المجتمعات في الداخل والخارج، وبناء اقتصاد من أجل مستقبل مستدام. ابقوا على اطلاع مع مبادلة ترندز.

هذه الحلقة الخاصة من إنتاج معهد بولسون، استضاف خلالها هانك بولسون رئيس معهد بولسون، وضمن برنامج Straight Talk، معالي خلدون خليفة المبارك، للحديث حول دور مبادلة ومساهمتها في مسيرة دولة الإمارات خلال الخمسين عاماً القادمة.

يشغل خلدون خليفة المبارك منصب العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للمجموعة في شركة مبادلة للاستثمار، وقد أشرف على نمو الشركة وتطورها منذ تأسيسها قبل قرابة عقدين من الزمن. ويتولى المبارك أيضاً العديد من المناصب الحكومية على المستويين المحلي والاتحادي، فهو عضو في المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، وعضو مؤسس في المجلس الأعلى للشؤون المالية والاقتصادية التابع لحكومة أبوظبي، كما يشغل منصب المبعوث الخاص لصاحب السمو رئيس الدولة لدى جمهورية الصين الشعبية منذ عام 2018، وهو أيضاً الرئيس المؤسس لجهاز الشؤون التنفيذية؛ الذي يقدم الاستشارات المتعلقة بالسياسات الاستراتيجية إلى رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي منذ عام 2006.

هانك بولسون: مرحبا بك خلدون ويسعدنا استضافتك في هذه الحلقة من برنامجنا. أنت رجل متعدد المواهب والمهام والمسؤوليات، لذلك أتطلع للحديث معك اليوم.. دعنا نعود إلى البدايات... أنت نشأت في أبوظبي، وسافرت للدراسة في جامعة "تافتس" في بوسطن. أرجو أن تحدّث مستمعينا بعض الشيء عن مسار حياتك المهنية.

خلدون المبارك: أود في البداية أن أشكرك على هذه الاستضافة، من دواعي سروري أن أشارك معك في هذه الحلقة. كما تعلم أنا شديد الإعجاب بك فقد كنتَ مصدر إلهام بالنسبة لي، وأنا أقدّر حقاً هذه الفرصة للحديث معك. وإجابة على سؤالك، دعني أقول إن نشأتي لا تختلف كثيراً عن الكثير من زملائي هنا في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي سنفرد جانباً للحديث حولها في سياق حوارنا. فقد حصلت على الثانوية العامة هنا في دولة الإمارات، ثم سافرت للدراسة في الولايات المتحدة.

أرادت لي عائلتي أن أفهم الثقافة الأمريكية، لذلك درست في مدرسة أمريكية هنا في دولة الإمارات، ثم انتقلت للدراسة الجامعية في الولايات المتحدة. في تلك المرحلة لم أكن قد ذهبت للولايات المتحدة سوى مرة واحدة، لم أكن أعرف الساحل الشرقي ولم تتح لي الفرصة للذهاب الساحل الغربي أبداً. كانت تلك بالنسبة لي تجربة جديدة لأنه لم يكن لدي أي تصور مسبق، ولا أعرف ما إذا كنت سأختار الذهاب إلى بوسطن لو توفرت لدي في ذلك الوقت كل المعلومات التي تعلمتها في السنوات اللاحقة. ولكن من المؤكد أن الطقس لم يكن من الأشياء التي كنت مستعداً للتكيف معها. اخترت الذهاب إلى بوسطن، ومنها إلى "تافتس" لأن بعض أصدقائي في المدرسة الثانوية التحقوا بجامعات في بوسطن، ففضلت البقاء مع أصدقائي على الذهاب إلى الساحل الغربي. ولو عاد بي الزمن للوراء لربما ذهبت للساحل الغربي، ويمكنني أن أقول لك الآن إنني أتمنى لو أنني ذهبت لولايات الساحل الغربي، حيث أن الطقس هناك أفضل بكثير منه في ولايات الساحل الشرقي، وربما كنت سأتأقلم معه بصورة أسهل.

على كل حال سافرت إلى بوسطن وتخرجت من جامعة "تافتس"، وكأي طالب إماراتي أنهى دراسته الجامعية، عدت لدولة الإمارات، وفي ذلك الوقت كان قطاع النفط والغاز هو قطاع التوظيف الرئيسي هنا. بدأت مسيرتي كخريج جديد بالعمل لدى شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك". ومن حسن حظي أنني عملت مع مجموعة مميزة من الأفراد هنا في دولة الإمارات، وقد ساعدني ذلك طوال مسيرتي المهنية، وها أنا اليوم الرئيس التنفيذي لشركة مبادلة منذ عشرين عاماً، وأرى أن مسيرتي تشبه إلى حد بعيد، مسيرة التطور والبناء التي شهدتها دولة الإمارات.

هانك بولسون: من المؤكد أن الأمور سارت لصالحك. أنا، من جانبي، ذهبت إلى الجامعة في هانوفر بنيو هامبشاير، التي تتمتع بطقس شديد البرودة مقارنة ببوسطن، والمرة الأولى التي زرت فيها كلية ستانفورد للأعمال كانت عندما كنت أقوم بمهمة التوظيف لصالح جولدمان ساكس. ولو أتيحت لي الفرصة الذهاب إلى ستانفورد قبل ذلك، فلربما اخترت الدراسة في الساحل الغربي. على أي حال، سارت الأمور على ما يرام بالنسبة لكلينا.

لنتحدث الآن بعض الشيء عن دولة الإمارات العربية المتحدة. هل يمكنك إعطاء مستمعينا نبذة سريعة عن هيكل الحكومة الفريد في هذا البلد؟ وبعد ذلك نود أن تحدثنا كيف أصبحت هذه الدولة الصغيرة، لاعباً إقليمياً مهماً في مثل هذه الفترة القصيرة، وكذلك نريدك أن تحدثنا عن رؤيتك للخمسين عاماً القادمة. لكن أولاً، حدثنا عن دولة الإمارات وهيكل الحكومة فيها.

خلدون المبارك: حسناً، دعني أبدأ بهذا؛ عندما كنت أتابع إجراءات الالتحاق بالجامعة، أتذكر أن مسؤول القبول الجامعي الذي اتصلت به لمتابعة طلبي، سألني: في أي مكان بكاليفورنيا تقع أبوظبي؟ كان عليّ حينها أن أوضح أنها في دولة أخرى. كان ذلك في فترة ماضية، أما اليوم فأعتقد أن الناس يعرفون الكثير عن دولة الإمارات. عندما تفكر في دولة الإمارات نستطيع القول وببساطة، إنها اتحاد يشبه إلى حد كبير الولايات المتحدة. لدينا سبع إمارات، أكبر إمارتين معروفتين جيداً في الولايات المتحدة هما أبوظبي (عاصمة الدولة) ودبي. ومن حيث عدد السكان، لدينا تعداد سكاني يقارب التعداد السكاني لولاية جورجيا، أي حوالي عشرة ملايين نسمة.

لقد أنعم الله علينا بموارد طبيعية تعد أساس تنميتنا الاقتصادية. وفي ديسمبر من هذا العام، سنحتفل بمرور خمسين عاماً على تأسيس دولتنا، وهذا إنجاز رائع، لأنه يعني احتفالنا بنصف قرن من التطور والتنمية والنمو الاقتصادي، هذا النمو الذي جعل دولة الإمارات اليوم، الدولة الأكثر تقدماً في المجال الاقتصادي وأحد أكبر الاقتصادات في هذه المنطقة، كما تعد دولتنا الشريك التجاري الأكبر للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. بدأنا مسيرة التطور كمنتج رئيسي للنفط والغاز، إلى أن أصبحنا اليوم في عام 2021، دولة لديها اقتصاد ومجتمع يتسم بالحيوية والابتكار.

هانك بولسون: من المؤكد أنها كانت خمسين عاماً حافلة ومميزة، وفي هذا السياق كيف تنظرون لمسيرة الدولة في المستقبل؟

خلدون المبارك: لقد أنعم الله علينا بقيادة عظيمة، فقد أسس الوالد الراحل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، اتحاد دولتنا، وعمل بالشراكة مع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم (حاكم دبي آنذاك) على إرساء أسس الدولة ووضع لبنات المرحلة الأولى من مسيرة التقدم. وقد تركّز الاهتمام في الأعوام الخمسين الماضية على تأسيس البنية التحتية وإرساء دعائم الدولة. في تلك الأثناء شهدت صناعة النفط والغاز تطوراً ونمواً كبيراً مع تطور النشاط التجاري بشكل عام، فأصبحت الدولة مركزاً رئيسياً للتجارة والأعمال بين الشرق والغرب. وأصبحت دبي حلقة وصل بين مختلف دول العالم.

تم في تلك الفترة أيضاً تطوير الموانئ والمطارات وشركات الطيران بالتوازي مع تطوير البنية التحتية للمدارس والمستشفيات والجامعات، بالإضافة إلى الاهتمام بتنمية رأس المال البشري. لقد كانت تلك البراعة الحقيقية في بناء دولة الإمارات، وهذا ما تم التركيز عليه في الخمسين عاماً الماضية: وضع الأسس الراسخة لبناء الدولة وتطورها. واليوم أستطيع القول إننا قطعنا شوطاً طويلاً في مسيرة البناء، ولديّ صور في مكتبي (أنا متأكد أنك شاهدتها) للدولة في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وصور للدولة اليوم، وعندما نرى التطور الكبير الذي شهدته مدن الدولة ومناطقها، ندرك أن ما تحقق أمر لا يكاد يصدق.

لدينا اليوم اقتصاد متنوع، وبنية تحتية متطورة في مختلف القطاعات؛ من الاتصالات إلى المطارات والموانئ والطرق السريعة والكوادر البشرية المؤهلة والمميزة على الرغم من قلة عدد السكان. ومؤخراً وفي غمرة انشغال العالم بتداعيات جائحة كوفيد-19 أطلقت دولة الإمارات مسباراً لاستكشاف المريخ، وأعلنت عن بدء التشغيل التجاري لأول محطة للطاقة النووية السلمية، إضافة للعديد من الإنجازات المدهشة في مجال الدبلوماسية التي لم يشهدها هذا الجزء من العالم لسنوات عديدة. هذا مثال على القاعدة القوية من الكفاءات البشرية التي تم تطويرها على مدى الخمسين عاماً الماضية.

إن السنوات الخمسين القادمة ترتكز بلا شك على هذا الأساس المتين؛ على هذه المكانة التنافسية المتميزة والقوية التي تتمتع بها دولة الإمارات اليوم. ونتطلع في المرحلة القادمة للانتقال بدولة الإمارات من قوة إقليمية ذات قدرة تنافسية عالية ومتميزة، لتصبح لاعباً عالمياً يمكنه التنافس على المستوى الدولي في مجالات التصنيع والابتكار، مع الاستمرار في تطوير النسيج الاجتماعي والبشري لدولتنا.

هانك بولسون: إنها حقاً رؤية ملهمة. كما أشرت قبل قليل أنت تعيش في أبوظبي، وتدير شركة استثمارية مملوكة للحكومة هي شركة مبادلة. أخبرنا قليلاً عن التقدم الاقتصادي في أبوظبي وماهي أبرز أولوياتك.

خلدون المبارك: سأتحدث عن أبوظبي من خلال استعراض مسيرتي الشخصية في مبادلة. مبادلة هي شركة استثمار سيادي مملوكة بالكامل لحكومة أبوظبي.

ولعل من أهم المبادئ والأسس التي أرساها والدنا المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، هي ضرورة امتلاك رؤية لتوظيف عائدات الثروة من الموارد الطبيعية للدولة واستثمارها بهدف توفير عائدات مالية مجزية ومستدامة على المدى الطويل. وأود أن أقول هنا إن هذه كانت رؤية ثاقبة لدولة كانت في بداياتها الأولى.

هانك بولسون: اسمح لي أن أقاطعك هنا. تبلغ قيمة أصول الشركة في الوقت الحالي 243 مليار دولار (894 مليار درهم إماراتي). كم كانت قيمة أصول الشركة عندما تأسست؟

خلدون المبارك: بالمناسبة، صندوق الثروة السيادي الذي قصدته في إجابتي وأصفه هنا بالشقيق الأكبر هو جهاز أبوظبي للاستثمار وهو الذي يعود تأسيسه لتلك الفترة من عمر الدولة، أما مبادلة فهي الشقيقة الصغرى. وهي التي أشرت إليها في حديثك وقلت إن أصولها تبلغ 243 مليار دولار (894 مليار درهم إماراتي). في الواقع تأسست مبادلة عام 2002 كصندوق استثمار سيادي آخر في أبوظبي.

قامت رؤية الوالد المؤسس، كما أشرت قبل قليل، على استثمار إيرادات الدولة لتوفير عوائد مالية مستدامة ومجزية ومحسوبة المخاطر للحكومة. وقادت تلك الرؤية في نهاية المطاف إلى إنشاء صندوق استثمار سيادي آخر، وهو شركة مبادلة. وكان دوري في ذلك الوقت تأسيس شيء مختلف عن جهاز أبوظبي للاستثمار؛ أي شركة تقوم بالاستثمار في قطاعات ومشاريع جديدة ومبتكرة، تكون قادرة على تأسيس قطاعات أعمال وأنشطة اقتصادية متنوعة في دولة الإمارات، للمساعدة في تطبيق استراتيجية التطوير والتنويع الاقتصادي. وكانت تلك بداية مبادلة كشركة استثمارية، تستثمر في قطاعات ومجالات جديدة من شأنها أيضاً أن تستقطب شركاء من جميع أنحاء العالم للقيام باستثمارات وأنشطة تجارية هنا في دولة الإمارات، تؤدي لخلق فرص عمل مناسبة، وفي نفس الوقت تسهم في مسيرة وجهود التنويع الاقتصادي بعيدا عن قطاع النفط والغاز.

هكذا بدأنا من تلك النقطة، وتمكنّا خلال السنوات اللاحقة، من تأسيس صناعات جديدة في الدولة؛ من صناعة الألمنيوم إلى الطاقة المتجددة، وصناعة أجزاء الطائرات من المواد المركّبة، إلى الاستثمار في تطوير الأقمار الصناعية والاتصالات. مرة أخرى، هذه هي قطاعات الأعمال التي أنشأتها مبادلة، والتي ساعدت بصورة أولية في توفير فرص العمل، وساهمت في تأسيس صناعات وإنشاء كيانات مربحة مع شركاء من مختلف أنحاء العالم يستثمرون داخل دولة الإمارات. ومع مرور الوقت، واصلنا عملية التطور مع نمو الاقتصاد وتمتعه بمزيد من التنافسية. بعد ذلك بدأنا في النظر إلى الاستثمار في الخارج، وتوظيف استثمارات في قطاعات أعمال مبتكرة وذات توجهات طويلة المدى، وامتدت تلك الفترة من 2010 إلى 2020، وهي مرحلة التطور الثانية التي مرت بها الشركة، وشملت التوجه نحو الاستثمار والنمو بشكل كبير في الخارج مع شركاء مميزين، وبمستويات أعلى من المخاطر وبالتالي توقعات أعلى بشأن العوائد، وتحقيق فوائد ملموسة نظراً لكوننا جزءاً من اقتصاد العصر الجديد، ولاستثمارنا في مجالات التكنولوجيا، وعلوم الحياة، والطاقة المتجددة.

والآن نشهد المرحلة التالية من تطور الشركة، مرحلة التحول في مجال الطاقة وغيرها من المجالات الجديدة والمرغوبة كثيراً بالنسبة لنا. لقد كانت هذه خلاصة المسيرة التي كنت جزءاً منها في مبادلة بشكل عام، تلك المسيرة التي شهدت انتقالنا من شركة تبلغ استثماراتها 10 ملايين دولار ولديها مشروع واحد، إلى شركة تستثمر مليار دولار في بضعة مشاريع، ثم إلى شركة عالمية تبلغ قيمة أصولها اليوم أكثر من 250 مليار دولار.

هانك بولسون: هذه بلا شك مسيرة حافلة. دعنا ننتقل الآن لموضوع التغير المناخي. تمتلك أبوظبي وحدها ما يقرب من 6٪ من احتياطيات النفط في العالم. في الوقت نفسه، فإن أبوظبي عرضة لتأثيرات التغير المناخي. حدثنا كيف تقوم أبوظبي بتكييف اقتصادها مع واقع التغير المناخي والدور الكبير الذي ستلعبه أبوظبي في مكافحة تغير المناخ.

خلدون المبارك: أنت تعلم أننا في منطقة شديدة الحرارة، ومواردها المائية شحيحة للغاية، ولذلك تحرص دولة الإمارات على اتخاذ إجراءات صارمة لمواجهة آثار التغير المناخي العالمي، وتلعب كذلك دوراً رائداً على الصعيدين الإقليمي والعالمي، في تشجيع ودعم تطوير قطاعات الطاقة المتجددة والنظيفة. هذه الجهود مستمرة منذ سنوات طويلة ولم تبدأ الآن، فقد كانت لدينا رؤية واضحة حول هذه المسألة منذ عشرين عاماً على الأقل، ونحن في شركة مبادلة ظللنا نستثمر في هذا المجال منذ زمن.

ولكن دعني أتناول هذا الموضوع من منظورين: منظور مبادلة ومن منظور الدولة أيضاً. أتحدث من منظور الدولة كي أشرح الخطوات التي اتخذناها في هذا المجال، وأعني بهذا تطوير برنامج للطاقة النووية للأغراض السلمية. تلك رحلة بدأت منذ 14 أو 15 عاماً تقريباً. كما أشرت سابقاً، نحن ندرك أهمية التعامل مع تحديات التغير المناخي، والتأثيرات المحتملة الناجمة عنه، وندرك أهمية تنويع مصادر توليد الطاقة وضرورة الحصول على طاقة نظيفة مثل الطاقة النووية لتكون عنصراً أساسياً من عناصر توليد الطاقة لدينا. واليوم، أنا فخور للغاية بأننا أول دولة عربية تنتج طاقة نووية آمنة ونظيفة. نحن نقوم بذلك الآن، ولدينا برنامج سيوفر لنا ما يقرب من عشرين إلى خمسة وعشرين بالمائة من إجمالي احتياجاتنا من الطاقة من خلال الطاقة النووية، وقد أثبت برنامجنا هذا فعاليته وجدواه.

هذا الأمر ينطبق أيضاً على مسيرتنا في مجال توليد الطاقة الشمسية. إذ بدأنا الاستثمار في توليد الطاقة الشمسية منذ أكثر من 10 سنوات. واليوم تملك دولة الإمارات 3 من أكبر محطات توليد الطاقة الشمسية في العالم. وتمكنا من تحقيق أقل تكلفة توليد للكيلووات الواحد على مستوى العالم. وقد حدث هذا خلال 10 إلى 15 عاماً من الاستثمار المتواصل في الابتكار في مجالات توليد ونقل الطاقة. واليوم أصبح بإمكاننا إنتاج الطاقة الشمسية بتكلفة 1.35 سنتاً للكيلووات الواحد، وهو أمر مدهش. أتذكر عندما بدأنا هذا لأول مرة، تراوحت التكلفة ما بين 30 إلى 40 سنتاً للكيلووات. كانت تكلفة غير اقتصادية وتتطلب دعماً كبيراً، لكن كان علينا أن نمضي في هذا المسار، لأننا كنا على قناعة بأن تقنيات توليد الطاقة الشمسية ستستمر في التطور، وأن التكلفة ستنخفض وستكون مجدية تجارية، وهذا ما حدث.

خلدون خليفة المبارك
خلدون خليفة المبارك
خلدون خليفة المبارك

العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للمجموعة

يشغل خلدون خليفة المبارك منصب العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للمجموعة في شركة مبادلة للاستثمار، وقد أشرف على نمو الشركة وتطورها منذ تأسيسها قبل قرابة عقدين من الزمان.

ومن خلال نمو الاستثمارات وصفقات الاستحواذ والاندماج، أصبحت مبادلة شركة استثمارية ضخمة تضم استثماراتها محفظة أعمال متنوعة في أكثر من 50 دولة، وتديرها من خلال مكاتبها الدولية الستة.

النقطة التالية التي لا بد من تناولها هنا هي إنتاج الهيدروجين. أعتقد أن دولتنا في وضعية جيدة للغاية لتأسيس اقتصاد هيدروجين نظيف قابل للتصدير، بالنظر إلى خبرتنا العميقة في سلسلة القيمة في قطاع الطاقة، ومجموعة العوامل المساعدة على إنتاج الهيدروجين، كالجغرافيا، والبيئة، والطقس، والبنية التحتية ورأس المال وما إلى ذلك. لذا أعتقد أن دولة الإمارات ستصبح فاعلة للغاية في هذا المجال، وأن الهيدروجين سيكون جزءاً مهماً من مشهد الطاقة المستقبلي.

وأخيراً سأتحدث حول مسألة تقليل انبعاثات الكربون، نحن ندرك أن العالم سيستمر في الاعتماد على النفط والغاز في المستقبل المنظور؛ لذا تعمل دولة الإمارات على الحد من الانبعاثات الكربونية. ويمكن لدولة الإمارات أن تكون (وستظل) رائدة في الحد من الانبعاثات الكربونية وتقليل تأثير الكربون. نحن أيضاً نقوم بالكثير من الجهود في مجال الابتكار، وكما تعلم، أنا أشغل منصب رئيس مجلس إدارة شركة الإمارات العالمية للألمنيوم، وهي إحدى شركاتنا الرائدة في إنتاج الألمنيوم، وقد بدأنا في إنتاج الألمنيوم باستخدام الطاقة الشمسية، نحن نسميه "الألومنيوم الحراري" وهذا أمر جدير بالاهتمام، فقد بدأ كمجرد فكرة نظرية، فكرة على الورق، ليصبح الآن حقيقة واقعة حيث نقوم فعلياً بإنتاج هذا الألمنيوم.

هانك بولسون: لعل من بين النقاط المضيئة في العالم اليوم انخفاض تكلفة توليد الطاقة الشمسية، لقد أثبت أنك قائد صاحب رؤية في هذا المجال. وأعتقد أن التقنيات الأخرى التي أشرت إليها، خصوصاً الحد من انبعاثات الكربون، والهيدروجين ستكون قضايا مهمة للغاية في المستقبل. لذا، مرة أخرى لابد من الإشادة بهذا العمل الرائع. لكن بالعودة مجدداً إلى مبادلة وأصولها البالغة 250 مليار دولار تقريباً. كيف تنظرون كشركة استثمار عالمية، لمسؤولية المستثمرين العالميين خلال العقد القادم؟

خلدون المبارك: هذا سؤال مهم للغاية. أود أن أنظر لمبادلة دوماً كمستثمر مسؤول. فالشركة ومنذ إنشائها حرصتْ على تطبيق مبادئ الاستثمار المسؤول؛ المبادئ التي نسميها الآن الاعتبارات البيئية والاجتماعية والحوكمة المؤسسية. وهي مبادؤنا التي أشعر دوماً بتأثيرها فهي دوماً في صميم عملنا، وجزء من الطريقة التي نعمل بها، وجزء من عقلية الإدارة لدينا في كل شيء قمنا به على مر السنين.

اليوم من الواضح أن العالم قد تغير وأنا عشت هذا التغيير على مدار الـ 18 أو 20 عاماً الماضية خلال قيادتي للشركة. وقد صار هذا التغيير أكثر وضوحاً وتأثيراً في العامين الماضيين، حيث أصبح الناس أكثر وعياً بأهمية الاستثمار المسؤول وأخذوا يتحدثون عن ضرورة أخذ الاعتبارات البيئية والاجتماعية الحوكمة المؤسسية بعين الاعتبار عند أخذ القرارات الاستثمارية. وأرى أنه علينا من موقعنا كقادة في هذه القطاعات أن نتولى زمام المبادرة وأن نتحمل المسؤولية. علينا بشكل خاص كقادة وشركات ناجحة ومؤسسات استثمارية تدر عائدات وقادرة على العمل على نطاق عالمي، أن نكون واضحين فيما يتعلق بالمسؤولية التي نتحملها من منظور الاعتبارات البيئية والاجتماعية والحوكمة المؤسسية، وأن نكون واضحين كذلك فيما يتعلق بكيفية الاستثمار والمجالات التي سنستثمر فيها والتي لن نستثمر فيها. علينا أن نكون واضحين بشأن مسؤوليتنا تجاه مجتمعاتنا، وبشأن قواعد الحوكمة المؤسسية. أعتقد أن هذه كلها مبادئ كانت مطبقة منذ 20 عاماً، لكنها الآن وكما تعلمون، أصبحت ضرورة لا غنى عنها للشركات. وأعتقد أن الشركات والمؤسسات التي لديها هذا الوضوح في الرؤية فيما يتعلق بالاستثمار المسؤول، ستكون الأقدر على تحقيق مكاسب أكبر في السنوات الخمس أو العشر أو العشرين القادمة. وأعتقد أن مبادلة في وضع جيد في هذا المجال، بسبب إرثنا وتاريخنا وتجربتنا، ولأن هذا جزء من نهج عملنا. ولأننا نجحنا في تطبيق هذه الاستراتيجية في الماضي. ولدي ثقة كبيرة في المستقبل، وأعتقد أن الاستثمار المسؤول يحقق عوائد مستدامة وبمخاطر محسوبة، وهو أمر يناسب مستثمرين مثلنا.

هانك بولسون: دعنا ننتقل الآن لموضوع آخر، ولنتحدث عن طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة ودولة الإمارات العربية المتحدة. من المعلوم أن دولة الإمارات ظلت حليفاً استراتيجياً مهماً للولايات المتحدة، خاصة في الشرق الأوسط. نود منك أن تحدثنا عن طبيعة هذه العلاقة، وكيف تراها؟ هل تتوقع أي تغييرات مهمة في هذه العلاقة في ظل إدارة الرئيس جو بايدن؟

خلدون المبارك: أود القول بداية إن هذه العلاقة متجذرة وقائمة على أسس راسخة ومتينة. وقد بدأت مسيرتها منذ تأسيس دولتنا قبل خمسين عاماً. لقد اتسمت هذه العلاقة بالرسوخ والثبات، وأعتقد أنه على مدار الخمسين عاماً الماضية توسعت آفاق هذه العلاقة لتشمل مختلف جوانب الحياة من الجانب الاجتماعي إلى الإنساني والأكاديمي، ومجالات الرعاية الصحية والثقافة والاستثمار والاقتصاد. هنالك روابط قوية في شتى القطاعات. وهذا ما يعزز قوة هذه العلاقة ومتانتها، ويكسبها أهمية خاصة لأي إدارة جديدة أو حزب جديد في الولايات المتحدة، الأمر الذي يعطينا الكثير من الثقة في أن هذه العلاقة راسخة ومتينة.

عندما تنظر إلى أركان هذه العلاقة اليوم ولنبدأ بالتجارة مثلاً، ما تزال دولة الإمارات العربية، على ما أعتقد، وعلى مدى السنوات الـ 14 الماضية، أكبر مستقبِل للصادرات الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لذا هناك علاقة تجارية قوية للغاية، خصوصاً ما يتعلق بصادرات الولايات المتحدة إلى دولة الإمارات، والتي كانت على الدوام سوقاً جيدة للشركات الأمريكية. على الجانب الآخر، نجد أن المستثمرين الإماراتيين والصناديق السيادية الإماراتية من أكبر المستثمرين في الاقتصاد الأمريكي على مدار الثلاثين أو الأربعين عاماً الماضية. إنها مسيرة استثمار متواصل في نهج يحقق قيمة مضافة، دون أي عقبات أو مشاكل، ودائماً وفق رؤية طويلة المدى ومساهمة إيجابية. إذن فهي علاقة اقتصادية متوازنة. لدينا الكثير من الاستثمارات، والشركات الأمريكية التي تم تأسيسها هنا، وهنالك الكثيرون الذين تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة، من جيلي ومن الأجيال التي سبقتنا والتي جاءت بعدنا.

كذلك يشكل التعليم عنصراً مهماً في العلاقة بين بلدينا. فما لا يقل عن 60 بالمائة من كبار المسؤولين التنفيذيين والوزراء في الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية وجميع الشركات الكبرى في دولة الإمارات، تخرجوا أو حصلوا على درجاتهم الجامعية الأولى و/أو درجاتهم العليا من الولايات المتحدة. لذا فهذا رابط قوي بين بلدينا. لدينا في دولة الإمارات أفضل الجامعات الأمريكية، مثل جامعة نيويورك التي تم افتتاح فرع لها هنا، لذا نتمتع بعلاقات أكاديمية مميزة تعزز الترابط بيننا. وكذلك الحال بالنسبة للمجالات الثقافية التي تتسم بالمتانة. وفي مجال الرعاية الصحية، لدينا هنا العديد من مؤسسات الرعاية الصحية الأمريكية المرموقة. وبالعودة إلى السؤال الأساسي، أي الجانب السياسي، فبالإضافة إلى كل ذكرت، هناك علاقة أمنية راسخة بين الولايات المتحدة ودولة الإمارات، ونحن عندما نتحدث عن الجوانب الأمنية، فإننا نتحدث كشركاء، وتاريخ الشراكة الأمنية بين دولة الإمارات والولايات المتحدة عميق وراسخ.

واستناداً لكل هذا التراث الكبير والإرث المميز، إذا تحدثت إلى أي شخص في الحكومة الأمريكية، سواء في الأمن القومي أو من الجانب العسكري، سوف تلمس اعترافاً وتقديراً كبيراً وواضحاً للدور الذي ظلت تلعبه دولة الإمارات على مدى السنوات الثلاثين الماضية في تعزيز هذه الشراكة وتعميقها. وأعتقد أن هذا جانب آخر مهم للغاية وجدير بالتنويه. لذا فكل ما أشرت إليه يجعل هذه العلاقة بين الدولتين فريدة جداً، ولهذا السبب هي دائماً علاقة ثابتة ومستقرة، وفي تطور مستمر.

هانك بولسون: أتفق معك، وكما قلت أعتقد أن دولة الإمارات واحدة من الدول القليلة في العالم التي ترتبط مع الولايات المتحدة بميزان تجاري إيجابي، كما أن أنشطة الاستيراد والتصدير بين الدولتين في تزايد مستمر. لقد كانت أولى الخطوات التي قام بها الرئيس بايدن بشأن التجارة هي إعادة فرض الرسوم الجمركية على واردات الألمنيوم الحراري من دولة الإمارات. من موقعك في أبوظبي، كيف ترى حال التجارة العالمية ونحن نخرج من تداعيات تفشي جائحة كوفيد-19؟

خلدون المبارك: حسناً هذه مسألة في غاية الأهمية بالنسبة لي كرئيس للشركة المسؤولة عن جميع عمليات إنتاج الألمنيوم في دولة الإمارات. هذا الأمر يؤثر عليّ وعلى طبيعة عملي بشكل مباشر. دعني أصارحك بأن ذلك كان مخيباً للآمال؛ خاصة وأن الميزان التجاري بين البلدين يميل بدرجة كبيرة لصالح الولايات المتحدة! لذا فإن فرض تعرفة جمركية على واحد من أكبر صادرات دولة الإمارات للولايات المتحدة، كان بمثابة إشكالية كبيرة، وبصراحة أكثر، خطوة غير منطقية.

لقد بذلنا جهوداً كبيرة لإقناع الإدارة السابقة بالرجوع عن هذا الأمر، حيث قدمنا تبريرين لذلك. الأول، كما تعلم، هو أن الميزان التجاري يميل لمصلحتكم، والثاني أن هذا هو المنتج الوحيد الذي نصدّره بكميات كبيرة إلى الولايات المتحدة. وأخيراً تحقق لنا ما أردناه، ولكن مرة أخرى تأتي إدارة جديدة وتعود بنا إلى المربع الأول. كان ذلك مخيباً للآمال. لذا آمل أن نواصل الحوار والعمل للوصول إلى حل يحقق مصلحة الطرفين. أنا دوماً من مؤيدي العولمة والتجارة المفتوحة والنمو والشراكة، لذا لدي دائماً تحفظ واعتراض على إجراءات فرض الرسوم والتعرفة الجمركية.

هانك بولسون: صحيح، خاصة فيما يتعلق بمنتج ليس له علاقة تذكر بالأمن القومي أليس كذلك؟ الآن لنتحدث قليلاً عن الصين. كانت لنا فيما مضى مناقشات شيقة حول الصين ودور الصين في العالم في الماضي. وأنت بالطبع تشغل منصب المبعوث الرئاسي خاص للصين منذ عام 2018. لذا حدثنا قليلاً عن رؤيتك لدور الصين في الاقتصاد العالمي، وما هو الدور الذي ترى أن الصين يمكن أن تلعبه في دولة الإمارات ومنطقة الخليج بشكل عام؟

خلدون المبارك: كلانا يعرف الصين جيداً، ولعلك تعرفها أكثر مني من خلال خبرتك. فالصين دولة أتعامل معها منذ سنوات عديدة، واسمح لي أن أجيب عن سؤالك من موقع المستثمر. كما تعلم، تستثمر مبادلة في العالم الغربي بصورة رئيسية منذ 20 عاماً. لذا تستند محفظة استثماراتنا الرئيسية إلى الركائز التي وضعت في الفترة من عام 2000 وحتى عام 2010، والتي تم اعتمادها لتتيح لنا تحقيق عوائد مجزية، بمخاطر محسوبة، وتوزيع نطاق المحفظة الاستثماري بشكل مناسب. وعليه تمثل الولايات المتحدة إلى حد بعيد أكبر منطقة جغرافية لاستثماراتنا، ثم تأتي أوروبا وغير ذلك من الدول. وقد بدأنا ننظر إلى الصين باعتبارها قوة اقتصادية نامية، وأن من الضروري أن نتعامل معها، وأن علينا أن نتعلم كيف نستثمر وأين نستثمر وكيف نحقق العوائد مع نوع المخاطر التي نرغب في قبولها. وأعتقد أننا أمضينا السنوات الأولى في التعلم والاستثمار ببطء في مشاريع صغيرة لبناء هذا السجل وبناء تلك المعرفة اللازمة. واتضح لي أن الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأنها سوف تصبح في نهاية المطاف أكبر اقتصاد في العالم. ومع ذلك لم يكن لدينا حضور استثماري كافٍ في تلك السوق، لذلك كنّا بحاجة لتعزيز هذا الحضور في القطاعات المفضلة لدينا؛ وهي القطاعات التي نرى أن لديها إمكانات نمو قوية، ووفق لتلك الرؤية تتمتع الصين بوفرة من هذه الفرص ونحن بحاجة إلى اغتنام تلك الفرص والاستثمار فيها، ونحن بحاجة أيضاً للاستمرار في موازنة محفظتنا الاستثمارية. وبناءً على ذلك باتت الصين منطقة تركيز بالنسبة لنا، ونفذنا استثمارات جيدة للغاية هناك، وحققنا عائدات جيدة، ولدينا شركاء جيدون، ولم نواجه أي عقبات.

في نفس الوقت، واصل الاقتصاد الصيني مسيرة النمو والتقدم وأصبحت الصين خلال السنوات الخمس الماضية أكبر شريك تجاري لدولة الإمارات. إن الموقع الجغرافي لدولة الإمارات كحلقة وسط بين الشرق والغرب، قد منحها مكانة مميزة على خريطة التجارة العالمية، كما عزّز العلاقات التجارية مع أوروبا والولايات المتحدة من جهة، ومع الهند وجنوب شرق آسيا واليابان وكوريا، والآن مع الصين، وبالنظر إلى حجمها وباعتبار أنها أصبحت أكبر شريك لدولة الإمارات. لذا أنا أضع كل هذا في سياق إجابتي على سؤالك حول تطور علاقتنا مع الصين. ومن وجهة نظري كمبعوث رئاسي، أرى أن الصين مهمة من المنظورين التجاري والاستثماري، ومن المهم بالنسبة لنا كاقتصاد إماراتي أن نستمر في النمو وأن يكون تركيزنا متجهاً وبنفس الوقت، إلى الشرق والغرب معاً.

هانك بولسون: لنتحدث الآن عن التكنولوجيا. تعمل الصين جاهدة لفتح قنوات مع دول الخليج من خلال تقنية الجيل الخامس. كيف تم ذلك؟ وهل أنت قلق بشأن موقف الولايات المتحدة من التكنولوجيا الصينية بما في ذلك تقنية الجيل الخامس؟

خلدون المبارك: أعتقد أننا ننظر إلى هذا الأمر من منظور تجاري بحت، وأظن أن من المهم جداً أن تتفهم هذا ويتفهمه المستمعون أيضاً. أن دولة الإمارات تنطلق على الدوام من دوافع تجارية، وتعتمد قدرتنا التنافسية على المحافظة على موقعنا في صدارة السباق من خلال امتلاك أفضل بنية تحتية، سواء من حيث المطارات أو الموانئ وغير ذلك، وتعد الاتصالات جزءاً مهماً من هذا كله. لذا عندما تنظر إلى انتقالنا من تقنيات الجيل الثاني للثالث، ومن الجيل الثالث للرابع، ومن الجيل الرابع للخامس، ستجد أننا كنا منافسين للغاية وأحرزنا تقدماً سريعاً في هذا المجال، وقد ساعد ذلك دولة الإمارات على أن تكتسب القدرات التنافسية التي تمتلكها اليوم. وهذه هي الزاوية التي ننظر بها لتكنولوجيا الجيل الخامس.

نحن ننظر للأمر من منظور تقني وتجاري، ومن منظور توفير وتقديم هذه التقنيات. نحن كما تعلم لا ننتج التكنولوجيا، لذلك ليس لدينا أي شيء يتعلق بالتحديات بين الولايات المتحدة وبين العديد من الدول الأوروبية والصين. نحن ننظر للأمر من منظور سلسلة التوريد؛ أي من زاوية تقديم وتوفير هذه التقنية وفي سياق الحفاظ على وجود بنية تحتية تنافسية. أنا أدرك المسائل والقضايا التكنولوجية، وأدرك أن المخاوف التي لدى الولايات المتحدة مخاوف صحيحة، وأود أن أنظر إليها مرة أخرى من زاوية تجارية بحتة، لأنني دائماً ما أنظر إلى هذه التحديات بغرض إيجاد الحل. حسناً، أعطني التحدي ولنجد حلاً له. ففي مجال التكنولوجيا على وجه الخصوص، يتعلق الأمر عادة بفهم المشاكل والتحديات، ومن ثم إيجاد حلول فعالة تعالج مخاوف الناس. لدي في هذا الشأن وجهة نظر مفادها أنه عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا، والمشاركة في الاقتصاد العالمي، نحتاج إلى أن نكون قادرين على التجارة والتبادل التجاري مع الجميع. ونحن بحاجة إلى أن نكون قادرين على اختبار وتجربة التقنيات مع الجميع وتحديد الشيء الأكثر فائدة وأماناً والأفضل تجارياً بالنسبة لنا وهذا ما يجب أن يكون عليه الأمر. وإذا كانت هناك أية مخاوف بشأن أي تقنية معينة، أعتقد أن هذه المخاوف يجب أن تكون واضحة وإذا كانت هناك حلول يمكن القيام بها فلنقم بها دون أبطاء. أما إذا لم يكن هناك حلول، فتلك مسألة أخرى.

هانك بولسون: أعتقد أن ما سمعته من عدد من الدول، وعدد من الحلفاء أيضاً أنهم يقولون: حسناً، نحن نقدّر قلقكم، لكن هل لديكم تقنية مماثلة يمكنكم أن تقدموها لنا؟ أو هل يمكنكم تعويضنا بطريقة ما؟ أم أنكم تكتفون بمطالبتنا بعدم استخدام تقنية منخفضة التكلفة وتعمل بشكل جيد بالنسبة لنا؟ أعتقد أن هذا ما أردت قوله، أليس كذلك؟

خلدون المبارك: بالتأكيد، هذا ما قصدته بالضبط. إنه يتعلق بتوفير بديل، بديل تنافسي، ليس فقط من منظور السعر، ولكن من منظور التكنولوجيا كذلك.

هانك بولسون: سؤالي الأخير. أنت اليوم نموذج يحتذى للكثيرين في المنطقة وحول العالم أيضاً. ونظراً لأنك تعمل كثيراً مع فئة الشباب، ما هي النصيحة التي تقدمها للأشخاص الذين بدأوا حياتهم المهنية اليوم وسط هذا الكم من التحديات والفرص التي يواجهها العالم؟ ماذا تقول للشباب ليتمكنوا من تحقيق حياة مهنية ناجحة في عالم اليوم؟

خلدون المبارك: الشيء الذي ظللت أحرص عليه طوال مسيرتي الوظيفية هو أن أسأل نفسي دائماً، كيف يمكن لي أن أخدم وطني؟ وكيف يمكنني المساهمة بطريقة أو بأخرى في مسيرة التقدم العالمي؟ وأعتقد أن ذلك أفادني في كل قراراتي وأتمنى أن يجد فيه الشباب فائدة أيضاً. أشعر بفخر واعتزاز كلما سمعت الآخرين يتحدثون عن بلدي دولة الإمارات، وأعتقد أن هذا الولاء.. هذا الشعور بالتقدير للأهمية والقيمة التي تمثلها الدولة.. هو ما يمنحك إحساساً بالهدف الذي تسعى لتحقيقه والبوصلة التي توجه مسارك في الحياة.

لكن في الوقت نفسه، نحن أيضاً مواطنون عالميون وكل ما تفعله وتقوم به عليك أن تنظر إلى تأثيره على المجتمع الدولي. وما يعنيه ذلك هو: هل نفعل الأشياء بشكل إيجابي أم سلبي؟ وهذا ينطبق على كل شيء نقوم به. من أبسط الأشياء حتى أعقدها. وأظن أنه من الأهمية بمكان أن تحدد المبادئ الأساسية التي تؤمن بها في سن مبكرة من حياتك، وأن تعود إليها دائماً في كل قرار تتخذه طيلة حياتك. أعتقد أن هذا يساعدك دائماً في الحفاظ على توازنك والحفاظ على مسارك الصحيح. لقد خدمني هذا الأمر جيداً وعلى مرّ السنين. أعتقد أنه شيء يستحق أن أنصح به الآخرين، بغض النظر عن العمر، سواء كنت خريجاً جديداً أو تتلمس خطواتك الأولى في بداية الطريق نحو حياة مهنية مميزة. أنا أقدم هذه النصيحة دائماً لزملائي المديرين التنفيذيين والأشخاص الذين يطلبون مني النصح أو المشورة. فعندما تشعر بأنك قدمت شيئاً وأنك قد أضفت قيمة حقيقية، حينها سيغمرك الشعور بالرضى، وتستطيع أن تنام قرير العين، لأن هذا سيمنحك العزيمة الكافية والاستعداد الأمثل للغد.

شكراً لكم أعزائي على طيب الاستماع لهذه المقابلة الخاصة لمعالي خلدون خليفة المبارك مع هانك بولسون رئيس معهد بولسون، ضمن برنامج Straight Talk

يمكنكم الاشتراك بنشرتنا لتصلكم أحدث الحلقات من مبادلة ترندز. إلى اللقاء.